ابن أبي الحديد

190

شرح نهج البلاغة

ورابعها : أنه ( عليه السلام ) ترك حرب معاوية في بعض الحالات ، ولم يوجب ذلك أن يكون عاصيا ، فكذلك أبو بكر في ترك النفوذ في جيش أسامة . فأما قول المرتضى : إن عليا ( عليه السلام ) كان مأمورا بحرب معاوية مع التمكن ووجود الأنصار ، فإذا عدما لم يكن مأمورا بحربه ، فلقائل أن يقول : وأبو بكر كان مأمورا بالنفوذ في جيش أسامة مع التمكن ووجود الأنصار ، وقد عدم التمكن لما استخلف ، فإنه قد تحمل أعباء الإمامة وتعذر عليه الخروج عن المدينة ، التي هي دار الإمامة ، فلم يكن مأمورا الحال هذه بالنفوذ في جيش أسامة . فإن قلت : الاشكال عليكم إنما هو من قبل الاستخلاف ، كيف جاز لأبي بكر أن يتأخر عن المسير ؟ وكيف جاز له أن يرجع إلى المدينة وهو مأمور بالمسير ؟ وهلا نفذ لوجهه ولم يرجع ، وإن بلغه موت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . قلت لعل أسامة أذن له ، فهو مأمور بطاعته ، ولأنه رأى أسامة وقد عاد باللواء فعاد هو لأنه لم يكن يمكنه أن يسير إلى الروم وحده ، وأيضا فإن أصحابنا قالوا : إن ولاية أسامة بطلت بموت النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وعاد الامر إلى رأى من ينصب للامر ، قالوا : لان تصرف أسامة إنما كان من جهة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ثم زال تصرف النبي ( صلى الله عليه وآله ) بموته ، فوجب أن يزول تصرف أسامة لان تصرفه تبع لتصرف الرسول ( صلى الله عليه وآله ) . قالوا : وذلك كالوكيل تبطل وكالته بموت الموكل ، قالوا : ويفارق الوصي لان ولايته لا تثبت إلا بعد موت الموصى ، فهو كعهد الامام إلى غيره لا يثبت إلا بعد موت الامام ثم فرع أصحابنا على هذا الأصل مسألة وهي : الحاكم هل ينعزل بموت الامام أم لا قال قوم من أصحابنا : لا ينعزل وبنوه على أن التولي من غير جهة الامام يجوز ، فجعلوا الحاكم نائبا عن المسلمين أجمعين ، لا عن الامام ،